28 , يوليو 2026

القطيف اليوم

حينما ترهق الشاشات عقول الأطفال والكبار 

لم يعد الهاتف الذكي مجرد جهاز يضم كل معلوماتنا الشخصية، ونحمله بين أيدينا أينما كنا، ولا غنى عنه في تسيير معاملاتنا اليومية، بل أصبح في كثير من الأحيان حاضرًا أساسيًا في التربية عند بعض الأسر، عندما يحلّ الصمت محل الحوار في معظم البيوت، وينشغل كل فرد بشاشته في زوايا البيت، ولا يجد الطفل مجالًا للحديث مع والديه أو إخوته.

أصبح الطفل في زمن الإنترنت حبيس المنزل، فلم يعد يبحث عن اللعب في الخارج مع الأصدقاء أو الحديث مع والديه، بل يلوذ بنفسه بعالم رقمي جاهز يمنحه المتعة السريعة دون جهد، مع أول لمسة فوق الأزرار الساحرة. ويبدو الأمر سهلًا في البداية، مجرد دقائق من اللعب أو مشاهدة فيديو، لكن مع الوقت يتحول هذا السلوك إلى عادة أو إدمان، ثم إلى نوع من الارتباط النفسي بالجهاز.

بمجرد نظرة من الطفل إلى سحر الشاشات المضيئة، يصر على طلب الهاتف بإلحاح، ويغضب عند منعه، وهنا سوف نكون أمام شكل من أشكال الإدمان السلوكي، حيث تصبح الشاشة لدى الطفل هي المصدر الوحيد للمتعة، بعد فقد الاهتمام بكل ما هو خارجها. هذا الإدمان لا يؤثر فقط على الوقت، بل يمتد إلى ضعف التركيز داخل المدرسة، واضطرابات النوم، والعصبية، وسرعة الغضب، وربما العزلة الاجتماعية.

تكون علاقة الطفل مع الشاشة هي الأخطر عندما تبدأ في سن الطفولة، حيث إن كثيرًا من الآباء والأمهات اليوم يعملون على تسلية أطفالهم، حتى الرضيع، بتشغيل فيديوهات على أجهزتهم الذكية، ظنًّا منهم بأن هذا يساعد على تهدئة الطفل، الذي يسكت بمجرد نظرته إلى الجوال، كأنه سحرٌ موجَّه! وهنا سوف تدفع الأم ثمنًا باهظًا في هذه المرحلة التي يحتاج فيها الطفل إلى العاطفة والتفاعل الإنساني.

قد يؤثر تعرض الطفل المبكر بشكل مفرط للشاشات على نموه العقلي والبصري والإدراكي، ويتسبب في ضعف قدرته على التركيز لاحقًا، والأخطر أن الطفل الذي يتعود على ملامسة الجوال، ويتعلم منذ البداية أن الراحة تأتي من ملامسة الأزرار المضيئة وسحر الشاشة، لا من حضن الأم أو التواصل الطبيعي مع محيطه، قد يصاب بالشحنات الكهربائية والتشنجات التي تحتاج إلى علاج في المستشفيات.

ليست لدى أغلبنا قواعد واضحة مع أطفالنا عند استخدام الجوال، مثل تخصيص وقت محدد للشاشات، ومتابعة مستمرة لما يشاهده الطفل، والهدف ليس الحرمان، وإنما تربيته على الاستعمال المتوازن، وليس المنع التام وترك الحبل على الغارب. علموهم تحديد وقت يومي واضح للشاشات، وخلق بدائل لها، مثل الرياضة، والقراءة، أو أي نشاط بدني يأنسون له، بدلًا من تركهم أمام الشاشات وما تبثه لهم.

ختامًا، إن الجوال ليس عدوًا لأطفالنا ولا لكبارنا، لكن خطورته تبدأ في استخدامه لدى الأطفال حين يتحول إلى بديل عن الأسرة، ولدى الكبار حين يكون سببًا في الكثير من حوادث المرور اليومية. وإذا لم تبدأ إرشادات التربية الرقمية من البيت، فلن تنجح أي قوانين أو قرارات في حماية جيل تربى في زمن الإنترنت.


error: المحتوي محمي